الشنقيطي

55

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [ الفرقان : 67 ] . وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفلسفة الأخلاقية القائلة : « الفضيلة وسط بين طرفين » أي طرفي الإفراط والتفريط . فالشجاعة مثلا وسط بين التهور والجبن ، والكرم وسط بين التبذير والتقتير . والإنفاق جوانب متعددة ، وأحكام متفاوتة ، قد بين الشيخ رحمه اللّه جانبا من الأحكام ، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى ، وتنحصر في الآتي : نوع ما يقع منه الإنفاق ، الجهة المنفق عليها ، موقف المنفق ، وصورة الإنفاق . أما ما يقع منه الإنفاق : قد بينه تعالى أولا من كسب حلال لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [ البقرة : 267 ] . وقوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] . أما الجهة المنفق عليها : فكما في قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) [ البقرة : 215 ] فبدأ بالوالدين برا لهما ، وثنّى بالأقربين . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الصدقة على القريب صدقة وصلة ، وعلى البعيد صدقة » « 1 » ثم اليتامى وهذا واجب إنساني وتكافل اجتماعي ، لأن يتيم اليوم منفق الغد ، وولد الأبوين اليوم قد يكون يتيما غدا ، أي أن من أحسن إلى اليتيم اليوم قد يترك أيتاما ، فيحسن عليهم ذلك اليتيم الذي أحسنت إليه بالأمس ، والمساكين وابن السبيل أمور عامة . وجاء بالقاعدة العامة التي يحاسب اللّه تعالى عليها ويجازي صاحبها وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ [ البقرة : 215 ] - أي مطلقا - فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [ البقرة : 215 ] ، وكفى في ذلك علمه تعالى . أما موقف المنفق وصورة الإنفاق : فإن هذا هو سر النفقة في الإسلام ، وفلسفة الإنفاق كلها تظهر في هذا الجانب ، مما تميز به الإسلام دون غيره من جميع الأديان

--> ( 1 ) أخرجه : ابن ماجة في الزكاة حديث 1844 ، وأحمد في المسند 4 / 17 .